Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الإنسان المعاصر… حين يسبق الغرور الانهيار

في خضمّ الازدهار التكنولوجي والتقدّم العلمي المتسارع، يقف الإنسان المعاصر على قمة الإنجاز المادي، وهو مفعم بشعور السيطرة الكاملة على العالم من حوله. مظاهر العمران، وتفوّق الذكاء الاصطناعي، وثورات الطب والاتصال، كلها توحي بأن البشرية بلغت ذروة الحضارة. لكن خلف هذه الصورة اللامعة، تكمن هشاشة داخلية عميقة، وقلق وجودي متزايد، وانفصال متسارع عن الفطرة.

لقد دخلنا مرحلة يمكن تسميتها بـ”الطغيان المتقدم المغلّف بالحضارة”، حيث القوة والتكنولوجيا والعلم تُستخدم كرموز للتفوّق، بينما الإنسان من الداخل بات أكثر خواءً، أقل توازنًا، وأشد افتقارًا للمعنى. وهي مرحلة تشبه كثيرًا ما عاشته أمم سابقة قبل انهيارها، كما أشار القرآن الكريم في قوله تعالى:
“حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا…” (يونس: 24).
لقد ازدهرت الأرض آنذاك، وظنّ أهلها أنهم بلغوا القمة، فإذا بهم يسقطون فجأة. وهذا هو الغرور، الذي يسبق عادةً الانهيار.

ومثلما طغى الإنسان قديمًا بقوته، فإنه اليوم يطغى بعقله. يعيش وهم الاستغناء عن كل مرجعية، ويرى أنه لم يعُد بحاجة إلى دين أو أخلاق أو قيم علوية. وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله:
“كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى” (العلق: 6-7).
لقد أصبح الطغيان معاصرًا، يختبئ خلف شعارات الحرية والعقل والعلم، لكنه في جوهره تمرّدٌ على الميزان، واختلال في المعايير.

نحن نعيش اليوم حالة انفصال حاد عن المعنى، وتمرّد صريح على الحكمة، وسباق محموم نحو الإنجاز الخارجي. لكن هذا التقدّم لم يُنتج إنسانًا أكثر سعادة أو توازنًا، بل على العكس: ازداد القلق، وعمّ الفراغ، وتكاثرت الانهيارات النفسية والفكرية. إنه عصر وفرة مادية وشُحّ روحي.

وهذا المشهد، لم يكن غائبًا عن الخطاب القرآني، بل تكرر وصفه من خلال نماذج رمزية تمثل حضاراتٍ سادت ثم بادت: قوم نوح، عاد، ثمود، فرعون… كلّهم بلغوا مدًى من الازدهار، لكنهم انهاروا حين اختلّ الميزان، وفقدوا البوصلة الأخلاقية والقيمية. قال تعالى:
“لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…” (الحديد: 25).
فإذا اختلّ الميزان، وانفصل العقل عن الحكمة، والعلم عن القيم، والتقدّم عن المعنى، صار الانهيار حتميًا، ولو تأخّر قليلًا.

نحن الآن في مفترق طرق حاسم: إما أن نراجع مسارنا، ونعيد وصل ما انقطع بين الإنسان ومصدر قيمته ومعناه، وإما أن نواصل طريق الغرور الذي، وكما تخبرنا السنن، لا يفضي إلا إلى الزوال.

فالسنن لا تتبدل،
والحضارات لا تسقط فجأة،
بل يسبق السقوط دائمًا… الغرور.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...