مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
دراسة العلوم والقيم البيئية في اليوم العلمي الخامس للبيئة
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – آيت ملول
محمد التفراوتي
في سياق أزمة بيئية عالمية تتسم بتزايد الاضطرابات المناخية، وتدهور النظم البيئية، وتفاقم التلوث واختفاء أنواع الكائنات، إلى جانب التوسع الصناعي والعمراني المفرط، تبرز المسألةالأخلاقية كقضية مركزية لا يمكن تجاوزها. فالمسألة لم تعد محصورة في قياس الأثرالبيئي أو تقديم حلول تقنية، بل بات من الضروري إعادة التفكير في أسس علاقتنابالكائنات الحية، وفي إعادة تعريف المسؤوليات الإنسانية أمام حالة الطوارئ الكوكبية.
وتعد الأخلاقيات البيئية، باعتبارها مجالا فكريا يتقاطع فيه الفكر الفلسفي مع العلومالبيئية والإنسانية والقانون، مدخلا حيويا لفهم التحديات القيمية العميقة التي تفرضهاأزمة المناخ. فهي تستنطق قيمنا واختياراتنا وسلوكياتنا الفردية والجماعية، وتستجوبعلاقتنا بالكائنات غير البشرية، كما تفضح منطق الهيمنة واللامبالاة والاستغلال الذي لايزال يحكم أنظمتنا الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، نظم مختبر الأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية(L.R.D.P.S.P)، إلى جانب فريق البحث في العلوم الإدارية والمالية وتدبير المجالاتالترابية المستدامة، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ،آيت ملول -جامعة ابنزهر، فعالية علمية متميزة تمثلت في اليوم العلمي الخامس للبيئة – JSE’2025، والذيانعقد تحت شعار: “العلوم والقيم البيئية”.
وقد شكل هذا الحدث مناسبة أكاديمية هامة لطرح ومناقشة إشكاليات البيئة في ارتباطهابالعلم والقيم، من خلال مداخلات علمية رصينة، شارك فيها أساتذة وباحثون متخصصون،حيث تم التركيز على أهمية دمج الاعتبارات الأخلاقية والقيمية في الممارسات العلمية منأجل تحقيق تنمية مستدامة متوازنة.
جاء اختيار شعار “العلوم والقيم البيئية” لليوم العلمي الخامس للبيئة ( JSE’2025) ،ليعكس توجها علميا وأخلاقيا عميقا، ينبه إلى الحاجة الملحة لربط التقدم العلمي بالقيمالإنسانية والبيئية.
فالعلوم، رغم ما تتيحه من أدوات تحليل وابتكار وتطوير، تبقى غير كافية ما لم تؤطر بمبادئأخلاقية توجه استخداماتها نحو الصالح العام وحماية الكوكب. ومن هذا المنطلق، يشكلهذا الموضوع إحدى القضايا الجوهرية التي لا تزال تحظى بتناول محدود في الأوساطالأكاديمية، خاصة في العالم العربي، حيث تندر النقاشات التي تربط بين المعرفة العلميةوالوعي القيمي في معالجة التحديات البيئية.
لقد أضحى من الضروري اليوم، في ظل ما يشهده العالم من أزمات مناخية وتدهور بيئي،أن تدرج القيم مثل الاستدامة، الحذر، العدالة، والمسؤولية ضمن المنظومة المعرفية والعلمية،ليس فقط في التنظير، بل كذلك في السياسات العمومية، والتربية البيئية، وممارساتالبحث العلمي.
إن هذا الربط بين “العلوم” و”القيم البيئية” لا يعد ترفا فكريا، بل هو ضرورة لضماناستمرارية الحياة على كوكب الأرض، وتحقيق تنمية منصفة ومتوازنة بين الأجيال.
وقد شكل هذا اللقاء منصة للتفكير النقدي والتفاعل العلمي المفتوح، جمعت باحثين وأساتذةجامعيين وخبراء وفاعلين جمعويين ومهنيين ومقررين سياسيين، لتدارس أهم الرهاناتالأخلاقية المرتبطة بالتحول البيئي.
وقد شهد الملتقى نقاشا غنيا حول الأسس الفلسفية والثقافية والروحية للأخلاقيات البيئية،في إطار مقارن وتعددي، يراعي تنوع المرجعيات والتصورات. كما ناقش المشاركونالتوترات بين العدالة الاجتماعية والعدالة المناخية، وطرحوا تساؤلات جوهرية حول الإنصافبين الأجيال في ظل استنزاف الموارد وتسارع وتيرة التغيرات المناخية.
وتطرقت المداخلات إلى إعادة مساءلة نماذج التنمية التقليدية، واقتراح مقاربات بديلة تقومعلى مبادئ الاستدامة، والاعتدال، والمسؤولية الاجتماعية. كما تم تناول مطلب الاعترافالقانوني بحقوق الطبيعة، والسعي نحو أشكال جديدة من الحوكمة البيئية تضمن مشاركةأوسع وتعزز العدالة البيئية في بعدها العالمي والمحلي.
وشكلت التربية البيئية الأخلاقية محورا أساسيا للنقاش، حيث تم التأكيد على أهميتهاكوسيلة لتحول الوعي الجماعي، وتصحيح أنماط السلوك البيئي لدى الأفراد والمؤسساتعلى حد سواء. كما أثيرت قضايا على قدر كبير من الأهمية تتعلق بـ الأبعاد الأخلاقيةللتقنيات الخضراء والابتكارات البيئية، ومدى توافقها مع مبادئ العدالة والاستدامة.
وأكد المشاركون أن الأخلاقيات البيئية لم تعد مجرد إطار نظري أو مجال فلسفي، بلأصبحت عنصرا حاسما في بناء مقاربات جديدة للتنمية، وركيزة لا غنى عنها لبناء مستقبلمستدام وعادل، يقوم على احترام الطبيعة، والتوازن بين الإنسان ومحيطه، والإنصاف بينالأجيال.
و مكن الملتقى العلمي من تلاقح الأفكار من زوايا مختلفة و خلق فضاء للتفكير النقدي،المنفتح والمتعدد التخصصات حول أهم الرهانات الأخلاقية المرتبطة بالتحول البيئي، منخلال مشاركة باحثين وأساتذة وخبراء ومهنيين وفاعلين جمعويين ومقررين سياسيين، وذلكمن أجل استكشاف الأسس الفلسفية والثقافية والروحية للأخلاقيات البيئية في إطارتعددي ومقارن. و تم تسليط الضوء على التوترات بين العدالة الاجتماعية والعدالة المناخيةوالإنصاف بين الأجيال. وإعادة مساءلة نماذج التنمية في ضوء الاستدامة والاعتدالوالمسؤولية الاجتماعية. وكذا مناقشة الاعتراف القانوني بحقوق الطبيعة وأشكال الحوكمةالبيئية البديلة. فضلا عن تعزيز التربية البيئية الأخلاقية كوسيلة لتحول الوعي والسلوكيات. وتقييم الأبعاد الأخلاقية للتقنيات الخضراء والابتكارات البيئية.
وتحدث منسق اليوم العلمي الأستاذ مولاي إبراهيم كومغار أستاذ التعليم العالي فيالقانون العام وقانون البيئة، جامعة ابن زهر – أكادير نائب عميد كلية العلوم القانونيةوالاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول مكلف بالبحث العلمي، والمتخصص في القانونالإداري والعلوم الإدارية وقانون البيئة، عن سياق ودواعي عقد الملتقى
وقد استهلت أشغال اليوم العلمي الخامس للبيئة بكلمة افتتاحية ألقاها الأستاذ رحيمالطور، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – آيت ملول، حيث رحببالحضور ونوه بالأهمية البالغة التي تكتسيها هذه التظاهرة العلمية، التي أصبحت تقليدًاسنويا يكرس انخراط المؤسسة في النقاشات البيئية الراهنة.
وأكد الأستاذ الطور على الوضع المتميز للكلية في المحافل الدولية، وتموقعها الجيد علىمستوى الجامعات الوطنية والعربية، مشيرا إلى ما تحقق من منجزات ومكاسب أكاديميةوعلمية بفضل تضافر جهود جميع مكونات المؤسسة من طلبة وأساتذة وأطر إدارية، كل منموقعه ومسؤوليته.
وفي السياق ذاته، أبرز السيد العميد العلاقة المتينة بين العلوم القانونية والقضايا البيئية،مؤكدا أن حماية البيئة لم تعد تقتصر على الجانب العلمي أو البيئي فقط، بل أضحت قضيةقانونية بامتياز، تستوجب إطارا تشريعيا وتنظيميا متكاملا يواكب التحولات المناخية ويؤطرالسياسات العمومية لتحقيق العدالة البيئية والانتقال نحو تنمية مستدامة.
وتلت السيدة خديجة السامي كلمة شاملة تناولت فيها أهم القضايا البيئية الراهنةوالتحديات التي تواجه المغرب في هذا المجال، مؤكدة على خطورة التلوث البلاستيكي الذيأصبح يهدد النظم البيئية على مستوى العالم، حيث أشارت إلى أن الإنسانية تنتج كمياتهائلة من البلاستيك تتجاوز مئة مليون طن سنويا، جزء كبير منها ينتهي به المطاف فيالمحيطات والتربة وحتى داخل أجساد الكائنات الحية، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلةلمواجهة هذه الأزمة.
انتقلت بعد ذلك للحديث عن ضرورة تطوير التعليم البيئي ليتجاوز مرحلة التوعية البسيطةإلى مرحلة التمكين الفعلي، حيث نادت بإدراج المفاهيم البيئية في المناهج التعليميةبمختلف مستوياتها، وتعزيز الممارسات التطبيقية كالزراعة البيئية وإعادة التدوير، معالحفاظ على المعارف التقليدية التي توارثتها الأجيال في مجال التعامل مع البيئة.
وفي معرض حديثها عن التغيرات المناخية، حذرت السيدة خديجة من العواقب الوخيمةلاستمرار ارتفاع درجات الحرارة، مؤكدة أن التقاعس عن اتخاذ إجراءات فعالة قد يؤديإلى تجاوز عتبة الدرجة ونصف المئوية بحلول عام 2030، مع التركيز بشكل خاص علىالتأثيرات السلبية التي تعاني منها جهة سوس ماسة بسبب هذه التغيرات.
كما تطرقت إلى أهمية القيم البيئية المستمدة من التراث المحلي، مستشهدة بنماذج ناجحةمثل تعاونيات الأركان النسائية التي نجحت في الجمع بين الحفاظ على البيئة وتحقيقالتنمية الاقتصادية، وكذلك تجربة زراعة الزعفران البيولوجي في منطقة تاليوين التي تمثلنموذجا للزراعة المستدامة التي تحافظ على خصوبة التربة وجودة المنتوج.
وأبرزت المتحدثة الجهود التي يبذلها المغرب في مجال حماية البيئة، بدءا بالانخراط فيبروتوكول “ناغويا ” الدولي لحماية المعارف التقليدية، مرورا بتنفيذ الاستراتيجية الوطنيةللتنمية المستدامة، ووصولا إلى المشروع الطموح لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية في جهةسوس ماسة الذي يستهدف معالجة سبعين ألف طن من النفايات البلاستيكية الزراعيةسنويا.
وفي ختام كلمتها، وجهت السيدة خديجة السامي دعوة صريحة لجميع الحاضرينللمساهمة الفعالة في بناء مستقبل بيئي أفضل، من خلال تبني سلوكيات أكثر مسؤولية فيالتعامل مع البلاستيك، والابتكار في مجال إعادة التدوير، مع التأكيد على أن حماية البيئةمسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف لضمان إرث بيئي سليم للأجيالالقادمة.
وتميز اللقاء بمحاضرة افتتاحية ألقاها الأستاذ الأستاذ محمد فتوحي خبير بيئي، المنسقالعام المساعد للشبكة العربية للبيئة والتنمية عن ” دور الجامعة في ترسيخ قيم التربيةالبيئية والتنمية المستدامة”
وأفاد الأستاذ محمد فتوحي، الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس، بأن الجامعة المغربيةمدعوة أكثر من أي وقت مضى للانخراط الفعّال في ترسيخ قيم المواطنة البيئية والتنميةالمستدامة، في ظل التحديات البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب والعالم.
تشخيص أولي للوضع
وأوضح الأستاذ فتوحي أن العالم يواجه أزمات مركبة، تتجلى في آثار التغير المناخي،التدهور البيئي، ندرة المياه، الفوارق الاجتماعية، وتراجع منظومة القيم. واعتبر أن هذهالتحديات تتطلب تبني نموذج تنموي يدمج العلم والقيم والعدالة البيئية. و أشار إلى أنالمغرب، رغم التقدم المحرز، لا يزال يواجه إشكاليات كبيرة، من أبرزها ارتفاع نسبة الفقرفي المناطق القروية إلى 13.1% (2024). ونسبة بطالة تبلغ 13.6في المائة. و تدهور التنوعالبيولوجي والغطاء النباتي. وتصل كلفة التدهور البيئي إلى 3.52 في المائة من الناتجالداخلي الخام.
مفهوم القيم البيئية والتربية المستدامة
وأكد فتوحي أن التربية البيئية تطورت منذ ستينات القرن الماضي نحو ما يُعرف اليوم بـالتربية من أجل التنمية المستدامة (EsD)، التي تعتمد على إدماج القيم والأخلاق فيالتكوين الجامعي، وتوسيع دائرة الوعي البيئي لدى الطلبة.
وقد صنّف القيم إلى فئات متعددة: أخلاقية، اجتماعية، دينية، معرفية، بيئية، وغيرها. وبيّنأن القيم البيئية تسعى لتحقيق التوازن بين حاجات الحاضر وضمان حقوق الأجيالالقادمة، من خلال احترام الطبيعة، الاستهلاك الرشيد، والمسؤولية الجماعية.
الجامعة كفاعل للتغيير
وشدد الأستاذ فتوحي على أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي فضاء للتربيةالقيمية والتنشئة على المواطنة البيئية، من خلال إدماج مفاهيم التنمية المستدامة فيالبرامج والمسالك الجامعية. و تشجيع البحث العلمي الموجه نحو قضايا البيئة. ودعممبادرات “الجامعة الخضراء”، “صفر نفايات”، والاستعمال المستدام للموارد. ثم الانفتاحعلى المجتمع المدني وتشجيع الشراكات.
توصيات عملية
وفي ختام مداخلته، اقترح الأستاذ فتوحي مجموعة من التوصيات لتعزيز التربية البيئيةداخل الجامعة المغربية، من بينها إعداد مرجع تربوي وطني يوضح مفاهيم وقيم التربيةالبيئية. وإدماج التربية على المواطنة البيئية في السياسات والبرامج الجامعية. ودعمالمؤسسية والتحفيز المالي لمشاريع الاستدامة داخل الجامعات. وإنشاء ميثاق جامعي للقيمالبيئية. وتطوير مؤشرات للتتبع والتقييم البيئي.
وأكد الأستاذ محمد فتوحي في ختام عرضه أن الجامعة تضطلع بدور أساسي فيتحصين الأجيال الصاعدة بالقيم والمعرفة والمهارات الكفيلة بمواجهة رهانات التنميةالمستدامة، وأن عليها أن تظل فضاءً لتشكيل المواطن الواعي، المسؤول، والمبادر، فيانسجام مع تطلعات المغرب نحو اقتصاد المعرفة والمجتمع المستدام.
ملتقى القيم البيئية: بين القانون، الثقافة، والعلوم الدقيقة لتحقيق الاستدامة
وقد نشط الملتقى كوكبة علمية أشرفت على تنظيم الجلسات وإدارتها، مما ساهم في إثراء النقاش وإبراز التداخل بين التخصصات المختلفة من أجل تعزيز القيم البيئية والاستدامة. وشهد الملتقى عروضا غنية ومتنوعة لمحاور مهمة تناولت القيم البيئية من عدة زوايا، حيث نظمت خلاله ثلاث جلسات علمية رئيسية متعددة التخصصات، ناقشت موضوع القيم البيئية بعمق واهتمام.
توزعت هذه الجلسات بين الجلسة الأولى التي تناولت القيم البيئية من منظور القانون والشريعة والجغرافيا برئاسة الأستاذ هناكة عثمان، وشارك فيها مجموعة من الخبراء والمتخصصين، منهم الأستاذ محمد البوشواري، الذي قدم مداخلة حول حفظ البيئة بين مقاصد الشريعة الإسلامية والفلسفة التشريعية، مؤكدا على تكامل المرجعيات الروحية والقانونية في حماية البيئة. كما قدم الأستاذ عبد العزيز قابوش قراءة تحليلية وتطبيقية لأخلاقيات حماية البيئة في الشريعة الإسلامية. وسلط الأستاذ إبراهيم كومغار الضوء على دور قنوات التنشئة البيئية في ترسيخ قيم الحفاظ على البيئة. فيما تطرق الأستاذ محمد عتيك إلى العلاقة بين البيئة والجغرافيا في ضوء القيم المشتركة والممارسات الأخلاقية، عبر مقاربة تربط المجال بالمسؤولية الفردية والجماعية. وقدم الأستاذ الحسن الباز قراءة تركيبية في روافد التكامل ومناهج التشارك لتفعيل القيم في التعامل مع البيئة.
وشهدت الجلسة الثانية مداخلات متنوعة حول محور القيم البيئية في الثقافة والمجتمع برئاسة الأستاذ محمد فتوحي، خبير البيئة. قدم الأستاذ خالد العيوض قراءة بيئية من خلال شعر الروايس في منطقة سوس كنموذج ثقافي للتعبير البيئي. وتحدث الأستاذ زهير البحيري عن الرهانات الاجتماعية والتصورات البيئية في ظل مجتمع المخاطر. كما ناقش الأستاذ عبد الوهاب لعبل دور الثقافة في ترسيخ القيم البيئية أمام التحديات المستجدة. كما خصصت جلسة عامة ومحورية لموضوع شجر أركان وقيم الاستدامة، حيث تناولت منظومة شجر أركان عبر الإنسان والمجال وقيمة الاستدامة، بمشاركة الأستاذ عبد الإله أبجان، الذي تحدث عن العلاقة بين الإنسان والمجال في مجال أركان، والأستاذ ميلود أزرهون، الذي عرض تجربة الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة في الدفاع عن المجالات الطبيعية.
وعرفت الجلسة الثالثة حول محور القيم البيئية بين الاقتصاد والعلوم الدقيقة برئاسة الأستاذة عفاف العمراني الحسني، مشاركات متميزة من بينها عرض قدمته الأستاذ هند بن وكرم حول دور التسويق في تعزيز السلوكيات البيئية المواطنة. كما ناقش فريق الباحثين من كلية العلوم التطبيقية بأيت ملول، برئاسة الأستاذة شافية حجي، العلاقة بين البيولوجيا وأخلاقيات البيئة من منظور متكامل يجمع بين الإنسان والطبيعة. وقدمَت الأستاذة فاطمة الباز عرضا علميا تناولت من خلاله موضوع الكيمياء والاقتصاد الدائري والقيم البيئية، مبرزة أهمية الابتكار في التسيير المستدام للموارد، والعلاقة المتشابكة بين العلوم الطبيعية والقيم الإنسانية، ودورهما معا في تحقيق تنمية مستدامة توازن بين التقدم التكنولوجي والحفاظ على البيئة. استهلت الأستاذة عرضها بالتأكيد على أن العلوم تنتج المعرفة والابتكارات، في حين تمثل القيم مثل الحذر والعدالة والاستدامة أساسا أخلاقيا ضروريا لتوجيه هذه الابتكارات نحو أهداف تخدم الإنسان والبيئة على حد سواء. وشددت على أن التفاعل المتناغم بين البعدين العلمي والقيمي هو السبيل لبناء مستقبل متوازن. وأشارت في سياق تقديمها للتحديات العالمية الراهنة إلى أن العالم يتجه نحو مزيد من التحضر، حيث من المتوقع أن يعيش 70 بالمائة من السكان في المدن بحلول عام 2050، ما سيؤدي إلى زيادة الطلب على المنتجات الكيميائية بنسبة تقارب 60 بالمائة. كما نبهت إلى خطورة تزايد استهلاك الطاقة والموارد في ظل تراجع الاحتياطات وتقلب الأسعار العالمية، وهو ما يفرض إعادة التفكير في النماذج الاقتصادية الحالية.
وتناولت تحدي التغير المناخي، مشيدة باستراتيجيات المغرب الوطنية مثل خطة المناخ 2030 واستراتيجية الحياد الكربوني 2050، وأكدت على ضرورة الالتزام بالهدف العالمي للحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية. ثم انتقلت إلى إبراز الدور المحوري للكيمياء في الحياة اليومية، موضحة أنها تدخل في إنتاج الغذاء والدواء والطاقة والمواد الاستهلاكية، غير أن آثارها البيئية السلبية أصبحت واضحة، حيث أشارت إلى أن الصناعات الكيميائية تسهم بنحو 20 بالمائة من الانبعاثات العالمية حسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لسنة 2023.
وسلطت الأستاذة الباز الضوء على الاقتصاد الدائري كبديل للنموذج الخطي التقليدي الذي يقوم على الاستخراج والإنتاج والتخلص، موضحة أن الاقتصاد الدائري يركز على التقليل من استهلاك الموارد الأولية، وإعادة استخدام المنتجات، وإعادة تدوير النفايات، مما يسهم في تقليص الأثر البيئي وتحقيق الاستدامة. كما قدمت شرحا مفصلا لمفاهيم الكيمياء الخضراء والمستدامة، حيث تقوم الأولى على تصميم عمليات كيميائية أكثر أمانا وأقل ضررا من خلال 12 مبدأ أساسيا، في حين تنفتح الكيمياء المستدامة على الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، خصوصا الهدف الثاني عشر المتعلق بأنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة. ولم يخل العرض منأمثلة تطبيقية ملموسة، إذ استعرضت تحويل الكتلة الحيوية إلى مواد نافعة مثل الإيثانولوحمض اللاكتيك، فضلا عن تقنيات إعادة التدوير الكيميائي التي تسمح بتحليل البلاستيكإلى مكوناته الأصلية لإعادة استخدامه. في ختام عرضها، دعت الأستاذة فاطمة الباز إلىضرورة تعزيز البحث العلمي في مجالات المواد الحيوية والتحفيز الأخضر، وتشجيعالشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع وضع حوافز تنظيمية لدعم الابتكار في مجالالكيمياء المستدامة. وأكدت في كلمتها الختامية أن الكيمياء المستدامة والاقتصاد الدائرييشكلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق العدالة البيئية وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة،مشددة على أهمية تبني نموذج اقتصادي جديد يحترم كوكب الأرض ويدمج القيم الإنسانيةفي صميم السياسات العلمية.
في الختام، أكد الملتقى على أهمية التضافر بين مختلف التخصصات العلمية والثقافية والقانونية من أجل تعزيز القيم البيئية وتحقيق التنمية المستدامة. فالتحديات البيئية المعاصرة تتطلب رؤى متكاملة تجمع بين المعرفة العلمية والقيم الأخلاقية والاجتماعية، إلى جانب الابتكار والمسؤولية الجماعية والفردية. ويعد تبني استراتيجيات مثل الاقتصاد الدائري والكيمياء المستدامة، مع الالتزام بالخطط الوطنية والدولية لمواجهة التغير المناخي، خطوات حاسمة نحو بناء مستقبل بيئي آمن ومتوازن للأجيال القادمة. هذا الملتقى يشكل نموذجا مثاليا للتعاون البناء الذي يعزز الوعي البيئي ويحفز العمل المشترك للحفاظ على كوكبنا.
