آخر خبر akherkhabar.ma _ أبدا أبدا ليس بالمغرب غير النافع .. بقلم المعطي المداني ،سهلاوي الأصل


أضيف في 10 شتنبر 2017 الساعة 13:40

أبدا أبدا ليس بالمغرب غير النافع .. بقلم المعطي المداني ،سهلاوي الأصل


فالعمل على تثبيت هاته الساكنة بمنطقتها وتوفير ظروف عيش لائقة لها هو السبيل الوحيد للحفاظ على مقوماتنا الهوياتية والثقافية والتراثية؛ كما أن ذلك من شأنه إذكاء روح التشبث بالأرض وبالتالي روح المواطنة عند الناشئة الصاعدة لما فيه خير وطننا مستقبلا.

سمعت وقرأت عدة مرات أن المغرب مقسم جغرافيا إلى مغرب نافع يزخر بمؤهلات طبيعية ومجالية مهمة ومغرب غير نافع لم يحض بالكثير من هذه المؤهلات والمتمثل بالأساس في المناطق الشرقية والجنوب الشرقية من بلادنا.

فمنذ فجر الاستقلال وحتى خلال فترة الحماية، توجهت الجهود الاستثمارية للدولة فيما يخص البنيات التحتية والتجهيزات الفلاحية والوحدات الصناعية إلى مناطق عرفت بالمغرب النافع والتي حباها الله بمؤهلات طبيعية من قبيل موارد مائية هامة وشريط ساحلي ممتد على آلاف الكلمترات وكذا ثروات معدنية كالفوسفاط، الركيزة الأساسية لاقتصاد بلدنا.

وعلى النقيض من ذلك، عرف ما سمي بالمغرب غير النافع والمتمثل في المناطق الشرقية والجنوب الشرقية للمغرب المعروفة بمناخها الجاف والصحراوي وضعف مواردها الطبيعية شحا فيما يخص هاته الاستثمارات.

ولقد كانت لي فرصة زيارة منطقة بوذنيب، الموجودة بالجنوب الشرقي للمغرب على بعد حوالي 70 كلم شرق مدينة الراشيدية عاصمة جهة درعة-تافيلالت، أفقر جهة أخرجها للوجود التقسيم الإداري لسنة 2016، خلال عطلتي الصيفية والتي تعتبر أول زيارة إلى أرض الآباء والأجداد.

وما راعني وأنا أجوب أزقة مدينة بوذنيب الحالة المزرية التي توجد عليها هذه الأخيرة، ودرجة تفاقم غياب التجهيزات والمرافق بها وكذا الوضعية الهشة التي توجد عليها الساكنة.

كما قمت بزيارة لقصر السهلي الذي يوجد على بعد 10 كلم شرق مدينة بوذنيب وهو بالضبط مسقط رأس آبائي وأجدادي والمتكون من القصر الكبير والقصر الصغير واللذان هما في حالة اندثار كبير رغم توفره على سد يحتجز جزءا هاما من مياه وادي كير ومساحات هامة من مزارع النخيل والزراعات المعيشية.

كما يضم قصر السهلي ضريح الولي الصالح سيدي محمد بن عبد الرحمان، "مول السهلي" كما يعرف لدى الساكنة؛ وبجانب القصر تتجمع المياه القليلة المنسابة على طول مجرى الوادي في مكان يسمى بالعين الخضراء وهي عبارة عن بحيرة صغيرة محاطة بصخور ذات ألوان زاهية غاية في الروعة للناظرين.

ورغم قساوة الطبيعة وضيق ذات اليد وشح الإمكانيات وغياب لطرق معبدة ولمرافق للقرب، نجد أن ساكنة القصرين القديمين لا زالت متشبثة بأرضها حيث تحولت إلى الجانب الآخر من الوادي للسكن داخل منازل بسيطة مبنية بمواد محلية بدائية في أغلبها.

كما رأت النور جمعية سيدي بلكاسم للتربية والتضامن الاجتماعي والتي تضم خيرة أبناء قصر السهلي الذين أبوا إلا أن يتكتلوا في إطار هذه جمعية بهدف العمل على لم شمل المنتسبين إلى هذا القصر من داخل وخارج المنطقة، وتوفير خدمات اجتماعية وثقافية وتنموية إلى الساكنة القاطنة حاليا بعين المكان وبالتالي تثبيتها بقصر السهلي والمساهمة في الحفاظ على الموروث الثقافي والتراثي للمنطقة وذلك في إطار مشروع دار الجماعة أو دار الزاوية والتي سهرت الجمعية على تشييد جزءا كبير منه في انتظار إيجاد مصادر تمويل لإتمامها وتوظيفها لفائدة الساكنة المحلية.

لقد عرفت منطقة الراشيدية إنجاز مخطط إنقاذ وتنمية واحات تافيلالت والذي انطلق خلال الفترة ما بين 2006 و2012 وبتمويل من الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية والوكالة الفرنسية للتنمية وصندوق الأمم المتحدة للتنمية ودول اليابان.

ويستهدف هذا المخطط محاربة التصحر والفقر عبر إنقاذ وتثمين واحات تافيلالت؛ إلا أنه من خلال زيارة منطقة بوذنيب، يتبين أن قصور هاته الأخيرة لم يشملها بعد هذا المخطط على غرار قصور منطقتي أرفود والريصاني، إضافة إلى ما تزخر به المنطقة المحاذية لمدينة الراشيدية من مؤهلات طبيعية تتمثل في التكوينات الجيولوجية العديدة والمتميزة كمضايق زيز والتي من الممكن توظيفها في إطار السياحة الجيولويجية وواحة تافيلالت الرائعة ومواردها المائية الجوفية بالأساس والمتدفقة على شكل عيون كعين مسكي وحامات للمياه المعدنية كحامات مولاي علي الشريف وكذا مناظرها الطبيعية بمرزوكة وما تزخر به من ثروات معدنية ومستحثات صخرية، تبقى منطقة بوذنيب، المحاذية للشريط الحدودي مع الجزائر، وقصورها الشامخة والصامدة في وجه بطش الإنسان والطبيعة القاسية والنسيان التي يطالها في حاجة إلى التفاتة بل وإلى عملية شاملة لجبر الضرر والتهميش الممنهج اللذان لحقا هذه المنطقة لسنوات عدة.

ولعل أهم ما يميز هذه المنطقة كذلك جودة ثمورها المشهورة من فكوس ومجهول، ولهذا نجد أن العديد من المستثمرين مغاربة وأجانب سارعوا إلى تجهيز ضيعات شاسعة على طول الطريق المؤدية من مدينة الراشيدية إلى مدينة بوذنيب وقصر السهلي لزراعة النخيل وبعض الأشجار المثمرة، مستفيدين من برامج وتمويلات مخطط المغرب الأخضر وكذا من المخزون المائي الباطني للمنطقة؛ إلا أن ما يبقى الميزة الأساسية للمنطقة هي طبيعة وعادات ساكنتها والتي لا زالت تحافظ على القيم الأصيلة للمجتمع المغربي من كرم للضيافة وطيبوبة ومعقول، هاته القيم التي أصبحنا نفتقدها نحن ساكنة المدن التي غلب عليها طابع التحضر المصطنع والخداع في بعض الأحيان.

وعليه، يمكن الجزم أن هذه المنطقة التي كانت تدعى فيما مضى بالمغرب غير النافع تمثل حاليا الملاذ الأخير والحصن الحصين لقيمنا المجتمعية الأصيلة التي لم نعد نلمسها في غالب الأحيان فيما يسمى بالمغرب النافع.

وهكذا، فالعمل على تثبيت هاته الساكنة بمنطقتها وتوفير ظروف عيش لائقة لها هو السبيل الوحيد للحفاظ على مقوماتنا الهوياتية والثقافية والتراثية؛ كما أن ذلك من شأنه إذكاء روح التشبث بالأرض وبالتالي روح المواطنة عند الناشئة الصاعدة لما فيه خير وطننا مستقبلا.


تعليقاتكم



شاهد أيضا
الإدهاش في الدراما التعليمية:بقلم..ليث عبد الغني.. النرويج
الرميد ردا على ورقتي الشيخي وأفتاتي: هناك تنازلات متبادلة وهي إن كانت تستدرك على الفاعل الحزبي ويلام عليها إلا أنه من المؤكد أن هناك معاناة في الجهة الأخرى، ولكل موقع أحكامه. (لا يحس بالجرح إلا من به ألم).
في العلاقة بين الفلسفة والشعر: كريم الصامتي باحث في الفلسفة والنقد المقارن
التهرب الضريبي.. مقارنة بين الإسباني ماكسم ويرتا والوزير الطالبي العلمي بقلم: عبد الكريم داودي ''مدريد''
الموقف من قطع العلاقة بين الرباط وطهران: قطر وإيران وجهان لعملة واحدة؟ بقلم: معتز عبد العافي
سوط الفراغ
البحر يسرق فرح السماء
عرض غير لائق
نريد أكثر من سبب ومناسبة للفرح :يوسف بورة ، رئيس جمعية الكتبيين المغاربة
بالتاريخ والجغرافيا والسياسة المغرب ليس هو الجزائر بقلم يوسف غريب