آخر خبر akherkhabar.ma _ النفاق السياسي في أسوأ تجلياته : نموذج الأحكام القضائية الأخيرة في حق قياديين حزبيين


أضيف في 22 مارس 2019 الساعة 19:51

النفاق السياسي في أسوأ تجلياته : نموذج الأحكام القضائية الأخيرة في حق قياديين حزبيين


بقلم الفاعل الحقوقي : نورالدين عثمان

جل الأحزاب السياسية في المغرب " مع استثناءات قليلة " تتبجح بالدستور وبنوده رغم أنها لم تكن أبدا طرفا في المطالبة بالإصلاحات السياسية والإقتصادية والإجتماعية؛ علما أن الدستور الجديد جاء تحت ضغط حركة 20 فبراير المجيدة في عز ثورات الربيع العربي سنة 2011 ؛ فمطالب حركة 20 فبراير لم تدعمها الأحزاب السياسية المغربية بل ناصبتها العداء وقامت بتشويه صورتها وسمعتها وسخرت بلطجيتها إضافة إلى بلطجية المخزن التي مارست كل أنواع الترهيب والاعتداء على الشباب؛ كما أن هذه الأحزاب صنيعة الإدارة والمخزن ومن تدور في فلكه منعت منتسبيها من الإلتحاق بالحركة خوفا من غضب المخزن وحفاظا على مصالحها.

لكن أثناء طرح الدستور للشعب للتصويت عليه خرجت هذه الأحزاب وفيالقها لتطبل وتزمر لهذا الإنجاز التاريخي ؛ علما أنها كانت في البداية ضد أي إصلاح سياسي أو أي تعديل دستوري وبعد عملية تثبيث الدستور الجديد إستمرت الإشادة به بشكل هستيري نظرا لما جاء به من إصلاحات سياسية وقانونية عميقة خصوصا في مجال الحقوق والحريات ومبدأ فصل السلط والتنصيص على إستقلالية القضاء إضافة إلى مبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة .
قد نختلف في إيجابية الدستور أو سلبياته وماذا إذا كان إستجاب لكل مطالب شباب حركة 20 فبراير من عدمها؛ لكن إجمالا ومن وجهة نظر الكثرين أن الدستور الحالي متقدم عن كل الدساتير السابقة له ؛ ولكن وكما يقول المثل " عند الإمتحان يعز المرء أو يهان" ؛ فهذه الأحزاب نفسها التي أشادة بالدستور وصفقت له بحرارة هي نفسها تقوم بخرق بنوده يوميا وفي كل المجالات وهي نفسها تتغنى به في كل مناسبة أو بغيرها؛ وهي من تطالب بتطبيق كل بنوده وفي نفس الوقت تغضب عندما يتعارض مع مصالحها السياسية والشخصية؛ تعتبر أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يطبق بحذافيره على الجميع ولكن عندما تصدر تقارير تدين منتسبيها وقيادتها بالفساد والرشوة وتبديد أموال عمومية تخرج هذه الأحزاب من جحورها وتصرخ أنها مستهدفة من جهة ما بسبب مواقفها " النضالية " المنتصرة للشعب؛ وعندما يحكم القضاء على البسطاء والبؤساء من أبناء الشعب بأحكام ثقيلة فقط لأنهم طالبوا بحقوقهم الدستورية المشروعة أو عبروا عن رفضهم لسياسة الدولة وخرجوا للإحتجاج السلمي الذي يضمنه الدستور للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية فتكون الأحكام القضائية جاهزة ولقرون من الزمن تخرج هذه الأحزاب وتقول أن القضاء في المغرب مستقل ونزيه؛ ولكن عندما يدين نفس القضاء أحد اللصوص منها يصبح القضاء مسيس وغير مستقل ومسخر للإنتقام من منتسبيها وفي سبيل ذلك تحشد سيوفها للنيل من هذا القضاء النزيه أحيانا والغير نزيه في مناسبة أخرى.

ومن أبرز الأمثلة على نفاق هذه الأحزاب فالحكم على الصحفي حميد المهدوي أو نشطاء حراك الريف وجرادة بأحكام قضائية جائرة وثقيلة اعتبرت بعض الأحزاب أن القضاء مستقل ونزيه وسيد نفسه ولا تدخل في عمله ولا حتى التعليق على أحكامه ؛ وعندما يحاكم الصحفي توفيق بوعشرين بأحكام ثقيلة تعبره أحزاب أخرى حكم مستحق وأخرى غير عادل وجائر إنطلاقا من اسقطاب إيديولوجي صرف ؛ لكن وفي نفس الوقت تتجند كل الأحزاب للدفاع عن قيادتها البارزة الملطخة يدها بالمال العام.

فما وقع مؤخرا خير دليل على نفاق هذه الأحزاب وإزدواجية خطاباتها؛ فمباشرة بعد أن نطقت محكمة جرائم الأموال بفاس بأحكام السجن النافذ في حق قياديين بحزب الإستقلال والأصالة والمعاصرة بتهمة تبديد أموال عمومية وغيرها من التهم الأخرى؛ وذلك بناء على تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية خرج منتسي هذه الأحزاب وبعض قياديها للتضامن معهم بل وصل الأمر إلى التشكيك في القضاء وإستقلاليته ونزاهته وإعتباره مسيسا ومسخرا لخدمة أجندة خفية علما أنه كان قضاء نزيه ومستقل قبل ذلك في قضايا عدة في نظرهم؛ فحزب العدالة والتنمية مثلا يكون القضاء مستقل عندما يتعلق الأمر بإدانة الصحفي حميد المهدوي ونشطاء حراك الريف ولكن عندما يحكم نفس القضاء على أحد أتباعه تكال له كل الإتهامات ويبدأ الحديث عن التحكم وقوى شيطانية غير مرئية.

كل هذه التناقضات تجعل الوضع سورياليا في مغرب العهد الجديد والدستور المتقدم ويكشف حقيقة نفاق هذه الأحزاب وإنتهازيتها مما يجعل دعاة النفور والكفر بالسياسة على حق للأسف.


تعليقاتكم



شاهد أيضا
حتى التعبير عن الحزن أصبح محرما.. ويدخل في باب المس بالمقدسات.
دور أحزاب التحالف الحكومي في تعميق جراح الريف
أزمة توظيف المدرسين بالتعاقد : تجارب مغيبة و دروس منسية ..د. محمد الدريج أستاذ باحث في علوم التربية
الذكرى السادسة عشر لرحيل أيقونة النضال راشيل كوري: قصة بطلة أريد لها النسيان.
تطرفُ أستراليا وخيالةُ نيوزلندا عنصريةٌ قديمةٌ وإرهابٌ معاصرٌ
قصة قصيرة: طفولة مستعبدة
عذرا أمي فاكهة الرمان لم يحن قطافها
ملف الشهيد آيت الجيد محمد بنعيسى بين الحقوقي والقضائي والتوظيف السياسي
المغرب الثقافي
أزمة القيم '' من ثقافة حشومة عيب نحو ثقافة عادي مشي مشكيل''